القاضي التنوخي
219
الفرج بعد الشدة
له من خيش وستائر وأسرّة وآلة المطبخ في الزواريق ، وتجلس في الحراقة « 9 » العجائز اللّواتي لا تفكّر فيهنّ ، ليظنّ أنّهنّ الحرم ، وتجتهد أن يكون خروجك ظاهرا ، ولا تكاشف بالاستتار ، بل على سبيل توقّ ومراوغة ، فإذا حصلت ببغداد ، دبّرت أمرك حينئذ بما ترى [ 147 غ ] . فقال : هذا رأي صحيح ، وأخذ يصلح أمره على هذا . فلمّا كان في ليلة اليوم الثالث ، لم أنم أكثر اللّيل ، فكرا فيه ، وغمّا بأمره ، ثمّ نمت لمّا غلبتني عيني ، فرأيت في السّحر كأنّ قائلا يقول لي : لا تغتمّ ، فقد ركب الأتراك من أصحاب وصيف وبغا ، إلى أوتامش وكاتبه شجاع ، وقد هجموا عليهما ، وقتلوهما ، واسترحتم منهما . فانتبهت مروّعا ، ووجدت الوقت حين انفجار الصّبح ، فصلّيت ، وركبت إلى الحسن بن مخلد ، فدخلت إليه من باب له غامض ، لأنّه كان قد أغلق أبوابه [ 85 ر ] المعروفة ، فسألته عن خبره . فقال : هذا آخر الأجل ، وقد خفت أن يعاجلني شجاع بالقبض عليّ ، وقد أغلقت أبوابي ، واستظهرت بغلمان يراعون رسله ، فإن جاءوا ورأوا أمارات الشرّ منهم ، خرجت من هذا الباب الغامض « 10 » ، وأن يسألوا عن شجاع ،
--> ( 9 ) الحرّاقة ، وجمعها حرّاقات وحراريق : هي في الأصل سفن فيها مرامي نار ، يقذف بها العدو ، ثم أطلقت على سفن المعابر ، وكان المترفون يتفنّنون في بنائها على صور الحيوان والطير ، راجع معجم المراكب والسفن في الإسلام لحبيب زيات ، مجلة المشرق م 43 . ( 10 ) كان رجال الدّولة من أمراء وقوّاد وكتّاب في تلك الأيّام ، يعيشون عيشة حذر وترقّب ، يتآمر بعضهم على بعض ، ويغتال بعضهم بعضا ، وكان من جملة ما يقتضيه حذرهم ، أنّهم كانوا يتّخذون في دورهم أبوابا عدّة ، وبعضها غامض لا يعرف ، فكانوا ينفذون من الأبواب الغامضة ، إن دهمهم مداهم ، وقد كان لدار أبي جعفر محمّد بن يحيى بن شيرزاد أربعة عشر بابا ، إلى أربع عشرة سكة وشارعا وزقاقا نافذا ، ومنها عدّة أبواب لا يعرف جيرانها أنّها تفضي إلى دار أبي جعفر ، وأكثرها عليه الأبواب الحديد ( راجع القصّة 378 من هذا الكتاب ) .